السيد محمد حسين الطهراني

12

معرفة المعاد

حيث أبانت الجمل التالية تفسير كلمة فرادى ، وهي : كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أوَّلَ مَرَّةٍ ، وَتَرَكْتُم ، وَمَا نَرَى مَعَكُمْ ، لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ . وهكذا هو المطلب كما في الآية مورد البحث : وَكُلُّهُمْ ءَاتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً . أي أنّ جميع موجودات السماوات والأرض ستأتي الله يوم القيامة فرداً ، دون أيّة جهة للتعيّن . ولمّا اتّضح معنى الفرد ، وعلمنا أنّه مَن يذهب فرداً دون تعيّنات نفسيّة ولا كثرات صوريّة ، فقد اتّضح معنى الجمع أيضاً ؛ وبما أنّ معنى الجمع في أذهان العامّة هو اجتماع الناس مع بعضهم ، فقد يتبادر إلى الذهن هذا المعنى المتعارف دون المعنى المراد منه ، باعتباره من أسماء يوم القيامة . أمّا الآن فقد أضحى جليّاً أنّ له معنى آخر ، وهو : الورود إلى عالمٍ تزول فيه الكثرات الاعتباريّة والتوهّمات الصوريّة والتقيّدات المموّهة وكلّ ما هنالك من شوائب التفرّق . يوم الجمع ، من أسماء يوم القيامة هذا العالم هو عالم التفريق والنشر ، أمّا ذلك العالم ، فعالم الجمع والحشر . هنا الافتراق عن الحقيقة والمعنى والتلبّس بلباس الكثرة وآثارها ، من أي نوع كانت ؛ أمّا هناك فالاجتماع ، أي ورود الإنسان في اجتماع نفسه مخلّفاً وراءه الكثرة وآثارها ، ومتناسياً تماماً شوائب الاثنينيّة والتغرّب والاعتباريّات التخيّليّة والصوريّة . وحين يتوجّه الإنسان في ذلك العالم إلى الجنّة أو إلى النار ، فإنّه يجتمع مع مَن يشترك معهم في السلوك . أي أنّ الكثرات والجهات التي من شأنها التفريق والتمييز سوف تنهار وتتلاشى ، فتمتزج أصول النفوس الحسنة مع بعضها امتزاج السكّر بالحليب ، ثمّ إنّها ترد الجنّة . أمّا أصول ومبادئ النفوس السيّئة ، فتمتزج مع بعضها كامتزاج الحنظل بالسمّ ، ثمّ